أحمد الشرباصي

109

موسوعة اخلاق القرآن

وعلامة العارف كما يقول ذو النون ثلاثة : لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يعتقد باطنا من العلم ينقض عليه ظاهرا من الحكم ، ولا تحمله كثرة نعم الله تعالى عليه وكرامته على هتك أستار محارم الله تعالى : وهناك لونان من المعرفة ، معرفة ايجابية ، ومعرفة عجز ، أو قل - كما يرى أحمد بن عطاء - معرفة حق ، ومعرفة حقيقة ، فمعرفة الحق هي معرفة وحدانية الله ، على ما أبرز لخلقه من أسمائه وصفاته ، ومعرفة الحقيقة هي ادراك انه لا سبيل إلى ادراك هذه الحقيقة ، لقول الله تعالى : « وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً » « 1 » . فلا سبيل إلى المعرفة هنا على الحقيقة ، لأن الله عز وجل أبرز لخلقه من أسمائه وصفاته ما علم أنهم يطيقونه ، ولكن حقيقة معرفته لا يطيقها الخلق . ويرى بعضهم أن أعمال الأبرار بالعلم ، وأن أعمال المقربين بالمعرفة ، وأن المعرفة فوق العلم ، ويعلق ابن القيم على ذلك بقوله : « وهذا كلام يصح من وجه ، ويبطل من وجه ، فالابرار والمقربون عاملون بالعلم واقفون مع أحكامه ، وان كانت معرفة المقربين أكمل من معرفة الأبرار ، فكلاهما أهل علم ومعرفة ، فلا يسلب الأبرار المعرفة ، ولا يستغني المقربون عن العلم . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل . انك تأتي قوما أهل كتاب ، فليكن أول ما تدعوهم اليه شهادة ان لا إله إلا الله ، فإذا هم عرفوا الله ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة » فجعلهم عارفين بالله قبل اتيانهم بفرض الصلاة والزكاة ، بل

--> ( 1 ) سورة طه ، الآية 110 .